الساعة 00:00 م
الأربعاء 23 سبتمبر 2026
22° القدس
21° رام الله
21° الخليل
25° غزة
4.02 جنيه إسترليني
4.25 دينار أردني
0.06 جنيه مصري
3.45 يورو
3.01 دولار أمريكي
4

الأكثر رواجا Trending

غزة.. الزيوت تصل وقطع الغيار غائبة ليهدد شبح التوقف المصانع والمخابز

بوابة نيويورك الموصدة.. كيف تعيد واشنطن رسم خطوط العلاقة مع السلطة الفلسطينية؟

أوراق تحت الركام.. كيف تعقّد فقدان الوثائق حياة الغزيين بعد الحرب؟

حجم الخط
الوثائق الثبوتية
غزة - فاتن الحميدي - وكالة سند للأنباء

لم تقتصر تداعيات الحرب في قطاع غزة على هدم المنازل وتشريد العائلات وتحويل الأحياء السكنية إلى ركام، بل امتدت لتطال الوجود القانوني والمدني للفلسطينيين بطريقة لم تكن في الحسبان.

فمع اتساع رقعة القصف العشوائي، والحرائق الضخمة، والنزوح القسري المتكرر تحت النار، تلاشت آلاف بطاقات الهوية الشخصية، وجوازات السفر، وشهادات الميلاد، وتضررت بصورة بالغة ملفات قضائية ومستندات رسمية محفوظة في المؤسسات والمحاكم.

لتبرز تدريجيًا معركة خفية لا تقل قسوة ولا إرهاقًا عن النزوح نفسه: كيف يثبت الإنسان من يكون، وكيف يمضي في إنجاز أبسط معاملاته اليومية بمعزل عن مستندات قانونية غدت أثراً بعد عين؟

ولا يتوقف الأثر المدمر لفقدان الوثائق عند مشقة استخراج ورقة بديلة أو بطاقة جديدة، بل يتغلغل في كل تفصيلة من تفاصيل العيش اليومي؛ بدءًا من تلقي العلاج الضروري في المستشفيات التي تواجه ضغوطًا هائلة، مرورًا بالمعاملات المالية والتعاقدات المهنية، وصولاً إلى انتزاع الحقوق أمام المحاكم والجهات الشرعية، في واقع زادت المؤسسات المدمرة والعزلة الجغرافية المفروضة تعقيدًا ومأساوية.

"ما كان في شيء يثبت مين إحنا"

تستعيد الصحفية جيفارا طه (35 عاماً) بمرارة ذكريات الأسابيع الأولى للحرب؛ حين طال قصف وحشي منزل عائلتها الواقع شمال قطاع غزة.

لم يكن أمامها ووالدها متسع من الوقت سوى محاولة الفرار والنجاة بحياتهما.

غادرت جيفارا المكان مصابة تعاني من حروق بالغة في جسدها ويديها، تاركة خلفها كل ما يربطها بماضيها القانوني: هويتها الشخصية، جواز سفرها، شهادة ميلادها، فضلاً عن بطاقاتها الجامعية وبطاقات عملها وشهادات خبرتها وأوراق تخص أفراد أسرتها.

ولأن النزوح في غزة غالبًا ما يكون رحلة متجددة من الفواجع، فقد لحق بها الدمار مجددًا؛ فبعد انتقال جيفارا وعائلتها بحثًا عن الأمان في خان يونس جنوب القطاع، اندلع حريق مفاجئ في مكان نزوحهم، ليلتهم ما تبقى من أوراق قليلة نجت من القصف الأول.

تقول لـ "وكالة سند للأنباء" بأسى: "ما كان في شيء معنا يثبت مين إحنا، للأسف.. لم يبقَ من بعض الوثائق سوى بقايا محترقة احتفظت بصور لها".

ومنذ تلك اللحظة، تحولت الهوية بالنسبة لجيفارا إلى أزمة يومية تطل بقرنها كلما احتاجت إلى مراجعة مؤسسة أو جهة رسمية. ورغم أن جيفارا تحتفظ باسمها، ومهنتها، وسنوات خبرتها، ورصيدها المعرفي، إلا أن غياب الوثيقة الرسمية عطل عودتها السلسة إلى عملها الصحفي.

وتروي لمراسلتنا بعضًا من معاناتها المستمرة؛ إذ واجهت عقبات معقدة عندما احتاجت إلى استلام مستحقات مالية أو إجراء تحويلات نقدية، مما اضطرها أحيانًا إلى الاستعانة بمحفظة مالية تخص أحد أقاربها لتجاوز جدار العوائق المفروضة، وباتت مطالبة بإثبات هويتها في كل خطوة بوثيقة لم تعد تملكها.

الوثيقة المفقودة.. تعطل متواصل لتفاصيل الحياة

من حي الرمال غرب مدينة غزة، تكشف السيدة أم محمود (48 عامًا) جانبًا مشابهًا من المعاناة، لاسيما في الفترة التي أعقبت الهدنة، حين كانت المؤسسات تعمل في ظروف استثنائية بالغة التعقيد، بينما تكفلت الحرب بإتلاف أجزاء واسعة من البنية التحتية وضياع الملفات القضائية والمدنية.

تؤكد أم محمود لـ "وكالة سند للأنباء" أن إجراءات المحاكم في بداية تلك المرحلة اتسمت بصعوبة بالغة؛ إذ لم تكن جميع الدوائر القضائية تعمل بانتظام، إلى جانب فقدان عدد كبير من الملفات والقضايا.

وفي الوقت ذاته، لم يكن خيار استخراج وثائق "بدل فاقد" متاحاً بسهولة في الأيام الأولى، مما جعل غياب الهوية سداً منيعاً أمام تسيير المعاملات اليومية.

حتى الحصول على العلاج الطبي تطلب غالبًا إيجاد طرق بديلة وغير اعتيادية لإثبات الشخصية، إذ فقد الكثير من النازحين أوراقهم، بينما نجت أم محمود في الاحتفاظ بهويتها التي أخرجتها من منزلها قبيْل مغادرته.

وتوضح أن بعض الأشخاص اضطروا إلى اللجوء لمعارفهم العاملين داخل المؤسسات الصحية لتسهيل الإجراءات، ككتابة أوراق مؤقتة لصرف الأدوية دون استكمال الاشتراطات الروتينية المرتبطة بإبراز الهوية الشخصية.

ولاحقاً، تمكنت ضيفتنا من استخراج وثيقة "بدل فاقد" عبر الجهات المختصة في غزة؛ وهي ورقة رسمية تُغلف غالبًا بإطار لتسهيل المعاملات العلاجية والقضائية. غير أن هذه الخطوة لم تعنِ نهاية المشكلة؛ تستدرك أم محمود مبينة أن الوثيقة البديلة قوبلت بالرفض من بعض الجهات، لا سيما البنوك التي امتنعت عن اعتمادها لفتح الحسابات المصرفية بدعوى أنها ليست الوثيقة الأصلية وغير مصدقة من الجهات الرسمية في رام الله.

وهنا ظهرت عقدة جديدة تتمثل في حاجة المواطن داخل القطاع المحاصر إلى تصديق وثيقته البديلة من الضفة الغربية، وهو أمر بالغ الصعوبة والاستحالة أحيانًا في ظل الحصار المفروض.

حين تصل الحرب إلى ملفات المحاكم

ولا تقتصر الخسائر الفادحة على الوثائق الشخصية الفردية التي يحملها المواطن في جيبه، إذ طالت ألسنة الحرب وسجلاتها ملفات وقطاعًا واسعًا من المستندات المحفوظة داخل المؤسسات الرسمية والمحاكم الشرعية.

توضح المحامية سمر أحمد، العاملة في المحاكم الشرعية، أن تداعيات الحرب ضربت بعنف ملفات قضائية ومستندات مرتبطة بقضايا النفقة، والمهر، وتنفيذ الأحكام، والحقوق الأسرية والمالية الأخرى.

وتبرز ذروة الخطورة عندما يحاول صاحب قضية استكمال نزاع قانوني شرع فيه قبل الحرب، ليصدم بغياب رقم القضية، أو ضياع نسخة الحكم، أو تبخر المستندات التي يمكن الرجوع إليها.

وتشير المحامية في حديثٍ لـ "وكالة سند للأنباء" إلى أنه في بعض الحالات قد تحتفظ المحاكم بنسخة احتياطية من الملف أو تنجح في الوصول إلى البيانات الرقمية، لكن في حالات أخرى كثيرة يصبح إثبات الحق غاية في التعقيد، لا سيما إذا غابت نسخة المستند لدى صاحب العلاقة ولم يتوافر شاهد أو طرف آخر يؤكد الواقعة السابقة.

وتقول إن وجود رقم القضية أو نسخة من الحكم أو إقرار الخصم يمكن أن يسهم في تدارك الفاقد، بينما يجد المواطن نفسه مضطراً للبدء من جديد وخوض مسار قانوني مضنٍ لإثبات حقه الذي أضاعته الحرب.

أرقام أممية تكشف اتساع الأزمة

تؤكد المعطيات الإنسانية والدولية أن أزمة الوثائق المدنية في غزة لم تكن مجرد حالات فردية معزولة أو استثناءات عابرة.

فبحسب التقارير الصادرة عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، تلقى نحو 150 نازحًا مساعدة قانونية عاجلة مرتبطة بوثائق مدنية مفقودة شملت بطاقات الهوية، وشهادات الميلاد والوفاة، والصكوك الشرعية.

وفي السياق ذاته، تلقى نحو 250 شخصًا دعمًا مباشرًا للحصول على وثائق مدنية بديلة، بينما استفاد ما يقارب 430 شخصًا من استشارات قانونية متخصصة لمعالجة إشكاليات الوثائق.

كذلك وثق المكتب الدولي عوائق جسيمة ومتكررة في إصدار الوثائق المدنية والوصول إلى سبل الانتصاف القانوني في مختلف مناطق قطاع غزة.

وتختزل هذه الأرقام ملامح أزمة أوسع نطاقًا، حين يفقد الإنسان وثيقته المدنية جراء الحرب، فإنه لا يخسر مجرد قطعة من الورق، بل يفقد الجسر القانوني الذي يصله بالخدمات والحرية والحقوق الأساسية.

وفي كل مرة تتجدد فيها المعاناة، يبرز السؤال ذاته بثقله؛ إذا أسقطت الحرب البيوت وأحرقت الأوراق، فمن يعيد للإنسان دربه القانوني نحو إثبات ذاته؟

من هنا، لا تمثل استعادة الوثائق المدنية في غزة إجراءً إداريًا عابرًا أو شكليًا، بل تشكل فصلًا جوهريًا من معركة أوسع لخوض غمار استعادة الحياة القانونية والمدنية بعد الحرب؛ معركة تبدأ أحيانًا بانتزاع ورقة "بدل فاقد"، لكنها تظل مرتبطة في جوهرها بحق الإنسان الأصيل في إثبات هويته، ونيل حقوقه، ومتابعة قضاياه، والعودة إلى تفاصيل حياته دون أن يتحول فقدان وثيقة عابرة إلى ضياع أبدي للحقوق.