حكاية أحمد زهران.. "الشهادة طلبتني" وهذه وصيته لزوجته

حجم الخط
أحمد.jpeg
إيمان شبير - وكالة سند للأنباء

تفيضُ محاجر الهم في صدر زوجة الشهيد أحمد زهران (31 عامًا)، وتمرُّ الدقائق ثقيلة على حياتها، مُدركةً أن الساعة ليست ستين دقيقةً، وأن اليومَ ليس أربعًا وعشرين ساعة، وأن أهوال الأيادم تزدادُ في ساعاتٍ متأخرةٍ من الليل حينما تستذكر صوت "أحمد" فرحًا "سيرزقنا الله بطفلٍ جميل ونُسميه سليمان"، لكنّ الشهادة في سبيل الوطن كانت أسرع إليه من أي حُلم آخر.

فَمن سيُعيد ثمالة السّكينة في قلب الزوجة، وهي تنتفض وجعًا على فراقِ زوجها؟ ومَن سيَسمع أنين المكابدة في أعماقِ روحها وهي التي تمنّت أن يكون لها طفلًا يحمل اسم أبيه، فلا شيء أشرس من الفقدِ الذي يدق عامود الحياة.

"الشهادة طلبتني".. كلمتان هزّت أعمق نقطة في فؤاد، أسماء عاصي، عندما سمعتها من زوجها "أحمد" ولم تتوقع أن تعيش مرارة الفقد بعد أشهرٍ قليلة، وظلّت تُفتّش عن خيطِ أمل ضئيل تتمسك، وتطرد به "وسواس" الوداع، لكن إلى أين يفرّ الفلسطيني من قدره؟

تقول "أسماء" لـ "وكالة سند للأنباء" إن كلمات الوداع على لسانِ زوجها "أحمد" في أيامه الأخيرة كانت مثل "الذكر والاستغفار"، وكان كلما اقترب أكثر من يوم رحيله يُوصيها أكثر بوالدته التي صنعته مقاومًا ومدافعًا عن أرضه، فما كان منها إلا أن تعلق على نبأ استشهاده "كان يدعي الله يعطيه الشهادة، وطلب مني أن لا أبكي عليه".

زهرااان وأمه.jpg
 

واستشهد الشهيد أحمد زهران من بلدة بدّو شمال غرب مدينة القدس، فجر الـ 26 سبتمبر/أيلول المنصرم، خلال اشتباكٍ مسلح مع جنود الاحتلال، ولم يكتف الاحتلال الإسرائيلي باغتياله، بل احتجزت جثمانه كنوعٍ من العقاب لثني الفلسطيني عن حقه المشروع في الدفاع عن أرضه.

وتعرض "أحمد" خلال سنوات حياته لعمليات اعتقال متكررة له، امتدت آخرها لـ 3 سنوات متواصلة إداريًا، وأُفرج عنه قبل 8 أشهر من عملية اغتياله؛ يُشار إلى أنه شقيق الشهيد زهران زهران، الذي ارتقى عام 1998 بعد مطاردته لسنواتٍ على خلفية نشاطه في المقاومة، ومشاركته في عملية أسر الجندي نخشون فاكسمان سنة 1994.

الارتباط بِـ "مُطارد"

ليس سهلًا على المرأة أن ترتبط بإنسانٍ حياته ما بين مطاردةٍ واعتقال، فالموافقة على ذلك تضحية من نوعٍ آخر، تقول "أسماء" عندما تقدّم أحمد لِخطبتي كان هو في الأسر، ومتبقي له شهرين "إداري"، مُشيرةً أن الاحتلال أعاد تجديد اعتقاله -آنذاك-، وتم تأجيل الخطبة إلى حين خروجه من السجن.

عاد "أحمد" لِـ "خطبة" "أسماء من جديد بعد تحرره بصوتٍ مبتسم تستذكر كلماته الأولى له: "أنا دربي المقاومة، والجهاد في سبيل الله ثم الوطن، فهل تقبلين بي؟"، رأت هي أن هذا النوع من الارتباط هو "مقاومة من نوعٍ آخر" لذا كان ردها "نعم قبِلت من جوا قلبي".

وعن صفاته، تتحدث: "يتميز أحمد برجولته القوية، وسماحة خلقه، وطِيب أصله وأصالة مبادئه؛ ويُحسن التأديب لمن حوله وشديد بالدين؛ فارتضيت منه الدين والخلق وقبلت به شريكًا".

زهران3.jpg


وتستطرد الزوجة، أحمد كان مطاردًا للاحتلال الإسرائيلي، وبعد الزواج بشهرين، أعتقل لعامٍ وسبعة أشهر، ومن ثم اعتقل مجددًا لعامٍ آخر، مُشيرةً إلى أن أحمد كان دائم الحديث عن أمنيته في نيل الشهادة، وعن وجوب الاستمرار في الدفاع عن الوطن إلى أن أصبح مطاردًا ثم ارتقى شهيدا".

بنبرةٍ موجعةٍ تُكمل الزوجة حديثها عن أحمد، " لم ننجب الأطفال بعد؛ كانت علاقته بالأطفال جميلة للغاية، يسعى دومًا لإسعادهم  واللعب معهم، بالإضافة إلى زرع خُلق الود والتراحم فيما بينهم، كأن مشروعه الكبير في الحياة هو إنشاء جيل متراص ومحبّ".

وتعيدنا ليوم استشهاده، "كان حديثه في صباح أول يوم خرج فيه، "الشهادة طلبتني، وتأكدي يا أسماء لا أحد يموت ناقص عمر"، موضحةً أن الشهيد كان يشعر بدنو الأجل منه وكل تصرفاته تُوحي بذلك، وأن شيئًا ما يجذبه نحو طلب الشهادة، "هذا بالتأكيد  لم يكن سهلًا عليّ، لكنّ لا مفر اخترت أن أكون معه من البداية" تقول "أسماء".

وفي سؤالنا عن المواقفِ الجميلة التي جمعت الشهيد بزوجته تُجيب، "كثيرة هي المواقف لكنّ أحبّها إلى قلبي، الجلسات التي تجمعنا بعد الصلاة، وتبادل الدعاء فيما بيننا، وكذلك قراءة القرآن".

وتسبب الاحتلال في منع الشهيد "زهران" من استكمال تعليمه؛ بسبب الاعتقالات المتكررة له؛ فكان يطمح تكملة مشواره الأكاديمي في دراسة التاريخ الفلسطيني، لكن غطرسة الاحتلال كانت أكبر في مطاردته له.